مواقع ذات صلة
هل أنت مستخدم جديد؟ قم بالتسجيل الآن
 
دعنا نساعدك
للوصول إلى هدفك.
التاريخ: 5/10/2018
المؤلف: د. وليد عمّار
المصدر: وزارة الصحة العامة
مقالة في جريدة النهار لمدير عام وزارة الصحة العامة الدكتور وليد عمّار حول الحوكمة التشاركية للتضامن مع القطاع العام
 
تقدم وزارة الصحة العامة دليلاً واضحاً لغياب الإرادة السياسية لتطوير القطاع العام في لبنان.

خير مثال على ذلك هو تراجع عدد العاملين في الوزارة خلال عقدين من الزمن، من 2600 موظف إلى اقل من الف معظمهم من المتعاقدين والاجراء. لإدراك فداحة الخلل نشير إلى ان عدد العاملين في الإدارة المركزية ووحدات الوزارة الإقليمية في المحافظات والأقضية، لايتجاوز ثلث عدد الموظفين في احدى المستشفيات الجامعية في العاصمة.

من جهة اخرى، لقد بات جلياً، التفاهم السائد بين جميع القوى السياسية حول كيفية الإستفادة القصوى من مؤسسات الدولة عن طريق ممارسة الزبائنية وتبادل المصالح. والتوظيف هو احد الأمثلة، حيث ان قرارات الحكومات المتعاقبة بتجميد التوظيف في القطاع العام والذي ادى في المحصلة إلى انخفاض عدد العاملين، لم يمنع التوظيف السياسي وتوزيع المتعاقدين وفقاً لمعيار واحد: المحاصصة.

إن الهدف من هذا المقال ليس الإنتقاد السياسي. فالآلية الأساس للمساءلة والمحاسبة في نظامنا السياسي هي الإنتخابات. ولقد اجمع الناخبون اللبنانيون مؤخراً على مبايعة القوى السياسية نفسها، مع علمهم المسبق بسياساتها الراسخة منذ عقود وادراكهم بنتائج هذه السياسات على حياتهم المعيشية كونهم يعانون منها يومياً.

يهدف هذا المقال إلى الإجابة، استناداً إلى البحث العلمي، على السؤال التالي: في ظل هذا الواقع السياسي والإداري، هل يمكن للمهنيين الملتزمين بالمناقبية المهنية ومبادئ المواطنة لعب دور مؤثر في ترشيد السياسات وتفعيل دور مختلف الأفرقاء في الحوكمة القطاعية؟

 يُقصد بالمهنيين، الإداريون والأكاديميون واصحاب المهن الحرة والحقوقيون والإعلاميون وغيرُهم من المعنيين في كل قطاع. والمناقبية المهنية ترتكز على القيم الإنسانية العلمانية وتعتمد المواطنة سبيلاً للمساهمة في بناء المجتمع والدولة، كل من موقعه المهني والإجتماعي. وأداة التغيير هي البناء المؤسساتي كل في نطاق عمله وتحمل كل فريق مسؤوليته في الحوكمة، وان كانت الدولة الممثلة بالوزارة المعنية هي المسؤولة الأولى التي يقع عليها، وعلى المهنيين فيها، لعب الدور القيادي في حوكمة كل قطاع.للإجابة على هذا السؤال، نستعرض تجربة وزارة الصحة العامة من خلال الدراسات التي قيّمت القطاع الصحي في لبنان، ومعظمها يستند إلى ابحاث عالمية اتبعت منهجيات علمية لتصنيف الانظمة الصحية في دول العالم وفقاً لترتيب يراعي مؤشرات تطور الصحة العامة بالمقارنة مع الموارد المتاحة.

فبالرغم من حالة عدم الإستقرار السياسي والإقتصادي واحياناً الأمني السائد منذ عقود، استطاع النظام الصحي في لبنان تحقيق انجازات هامة على صعيد الوقاية من الأوبئة وتقديم خدمات مضمونة الجودة للمواطنين، مما ادى الى تحسن ملحوظ للمؤشرات الصحية، وبنفس الوقت تخفيض نسبة الانفاق على الصحة من الناتج المحلي. ولقد كان لبنان بين البلدان القليلة التي حققت الاهداف الصحية للألفية، بحيث خفضت نسبة وفيات الأطفال من 35 بالألف في التسعينات إلى 8 بالألف، ووفيات الأمهات من 130 الى 16 بالمئة الف[1]. وتجدر الملاحظة إلى ان التحسن قد استمر بالرغم من الضغط الكبير على المؤسسات الصحية وخطر انتشار الأوبئة  الناجمين عن النزوح السوري منذ عام 2011.

مع الاخذ بعين الاعتبار المشاكل التي تواجه بعض المواطنين في الوصول إلى بعض الخدمات المكلفة، لأسباب ترتبط بالوضع السياسي والمالي وتخرج عن نطاق بحثنا اليوم، تجمع الدراسات التي قيّمت النظام الصحي في لبنان على ادائه الجيد. ولقد اورد التقرير العالمي للصحة[2] الصادر عام 2010 عن منظمة الصحة العالمية، لبنان كقصة نجاح يحتذى بها من حيث بناء نظام الرعاية الصحية الأولية وتوفير الأدوية الجنيسية المضمونة الجودة مما ادى إلى خفض الكلفة وتعزيز الصحة العامة. إضافة إلى ذلك، صنفت الدراسة التي قامت بها الاكونومست[3] لبنان بالمرتبة 32 من اصل 166 دولة ليأتي مباشرة بعد الدانمرك وقبل الولايات المتحدة الأميركية، من حيث اداء النظام الصحي مقارنة مع الكلفة. كما ان التقرير الصادر عن منتدى الإقتصاد الدولي 2016-2017[4] ادرج القطاع الصحي، خلافاً للقطاعات الأخرى في لبنان، بمرتبة 34 على الصعيد العالمي. ولقد اعتبر مؤشر بلومبرغ[5] الصادر عام 2017 النظام الصحي في لبنان انه الافضل في العالم العربي. كما ان الدراسة التي نشرت مؤخراً في مجلة لانست[6] حول وصول المواطنين إلى خدمات مضمونة الجودة، وضعت لبنان في المرتبة 33 من بين 195 دولة. والجدير ذكره ان هذه الدراسات قامت بها جهات متنوعة وفق منهجيات مختلفة اعتمدت كل منها مجموعة خاصة من المؤشرات، وآلت جميعها إلى نفس الاستنتاجات حول تميُّز النظام الصحي في لبنان، مما يؤكد النتائج التي اجمعت عليها.

ولا بد من الاشارة الى التقرير الذي اعده ثلاث خبراء كلفتهم هذا العام منظمة الصحة العالمية تقييم النظام الصحي في لبنان[7]. لقد حدد التقرير ميزتين اساسيتين تقفان وراء النجاحات المحققة وهما اولاً، صياغة السياسات المسندة إلى البراهين، حيث يستعرض التقرير الدراسات والابحاث التي وفرت الادلة العلمية والمنحى العلمي للوزارة في الاستناد عليها لاتخاذ القرارات وصياغة السياسات الصحية. ان هذا المنحى يخفف إلى حد ما من الاستنسابية السياسية في اتخاذ القرار ويواجه الميول الطائفية بالوقائع العلمية لترشيد قرارات الإدارة العامة. وثانياً، اعتماد مبادئ الحكم الصالح خاصة في ما يتعلق بالشفافية والشراكة مع مختلف الافرقاء من نقابات مهنية وجامعات ومؤسسات المجتمع المدني وقطاع خاص بما يعرف بالحوكمة التشاركية. وهذا النوع من الحوكمة ينقل المواطن من موقع الانتقاد والتذمر الى موقع المشاركة المسؤولة، ويضع امكانيات المجتمع المدني والقطاع الخاص بخدمة المصلحة العامة، بينما تخفف المشاركة من التمييز بين المواطنين في الاستفادة من خدمات الدولة.

وهنا يبرز دور المهنيين غير المنحازين طائفياً، الموجودين في القطاعين العام والخاص، الذين يقومون بواجباتهم المهنية في بناء المؤسسات الخاصة والعامة وتأمين استمرارية عملها بالرغم من الإخفاق السياسي. ولقد اثبت هؤلاء قدرتهم على لعب دور مؤثر في حوكمة قطاع الصحة والانضمام بفعالية الى نهج علمي تشاركي اعتمده فريق عمل الوزارة. ان هذا النهج هو الذي سمح للوزارة المحدودة الموارد بقيادة القطاع الصحي، والإستفادة من موارد القطاع غير الحكومي والقطاع الخاص وتفعيلها، في سبيل تحقيق الاهداف المحددة في الاستراتيجية الوطنية.

وفي سبيل ترسيخ ممارسات صياغة السياسات الصحية المسندة بالبراهين ومأسسة الحوكمة التشاركية، تم افتتاح "مرصد دعم السياسات الصحية" وهو مشروع مشترك بين وزارة الصحة العامة ومنظمة الصحة العالمية وكلية العلوم الصحية في الجامعة الأميركية في بيروت. ان هذه التجربة تستحق المتابعة والتقييم إضافة الى تجارب ناجحة لابد ان تكون موجودة في قطاعات اخرى. الهدف من الحوكمة التشاركية هو تأمين الدعم للمؤسسات الحكومية وبنفس الوقت تشكيل إطار للمساءلة من خلال الشفافية واعتماد مبادئ الحكم الصالح؛ فليس بالانتقاد وحده تبنى الأوطان.

* مدير عام وزارة الصحة العامة
أستاذ في كلية العلوم الطبية- الجامعة اللبنانية
 استاذ محاضر في كلية العلوم الصحية- الجامعة الأميركية في بيروت

[1]“World Health Statistics”, World Health Organization, 2013
[2]“World Health Report”, World Health Organization, 2010
[3] The Economist- Health outcomes and cost: A 166-country comparison. 2014.
[4] The Global Competitiveness Report 2016–2017. World Economic Forum.
https://www.weforum.org/reports/the-global-competitiveness-report-2016-2017-1/
[5] Bloomberg 2017 Healthiest country Index.
[6] Measuring performance on the Healthcare Access and Quality Index for 195 countries and territories and selected subnational locations: a systematic analysis from the Global Burden of Disease Study 2016- The Lancet, May 2018
[7] The Collaborative Governance of Lebanon’s Health Sector. Twenty Years of Efforts to Transform Health System Performance. Wim Van Lerberghe, Abdelhaye Mechbal, Nabil Kronfol. May 2018.
 
Sitemap
حقوق الطبع والنشر محفوظة ل وزارة الصحة العامة ©2019